السيد نعمة الله الجزائري
367
كشف الأسرار في شرح الاستبصار
المرصّع بالجواهر ، مع حليّه وحلله الثمينة . فأمر « المفتي » ببيعه ، فلما جاءوا بثمنه امتلأت حجرته من روبيات كثيرة ، فجعل يوزّعها بين الفقراء والمساكين ، أنفقها من أولها إلى آخرها ، فقام عنها وهو فارغ اليدين . فلما دخل بيته لزمته أزواجه ، وقلن : أين سهمنا من هذا المال الكثير ؟ قال : انه كان حق للأرامل والأيتام ، وان كنتن تردن منه شيئا فادعون علىّ لكي أموت ، فتصرن مثلهن ، فتأخذن مثل ما أخذن » . وقالت : « انه خرج من الدنيا ولم يورث دينارا ولا درهما سوى مقدار من الكتب ، ورغم أنه كان مرجعا كبيرا للعباد ، وقاضيا عظيما في البلاد ، لم يضع لبنا على لبن ، ولا ترك بيتا للسكن ، وقضى أيامه بالعسر والمحن ، مع أنه كان يأتيه المال وفيرا ، لكنه كان ينفقه في سبيل اللّه كثيرا ، ولم يبق له ولعياله الا نقيرا ، حتى أنّ الآنية التي كنا نصبّ الماء منها في فيه آن وفاته ، كانت من الخزف ، ولم يأخذه على هذه الحالة أي أسف ، بل كان يتخذها له عظيم الشرف » . ولاؤه لآل البيت عليهم السّلام لا يخفى ان الانسان إذا بلغ من العلم والعرفان مكانا ساميا ، واختار لنفسه من التقوى أيضا مقاما ناميا ، يكون بالنتيجة في منزل ولاء أهل البيت الطاهرين عليهم السّلام جوهرا صافيا ، ودرّا غاليا . وقد ظهر مما سطر ان ( المفتي عباس ) كان سبّاقا في مضمار العلم والعمل ، بما يضرب به المثل ، فارتقى بالولاء الخالص إلى قمّة الجبل ، وعلا بمودة لآل ذروة القلل ، فكان يصرف أوقاته طول الليل والنهار ، في مدح مواليه الأبرار الأطهار ، أو قدح أعدائهم الأشرار ، كما هو ظاهر من كثير من كلماته العالية ، وتصنيفاته الغالية ، نحو : « روائح القرآن » و « الجواهر العبقرية » و « الخطاب الفاصل » وغير ذلك ، وسيأتي ذكرها .